الأمير تركي(الثاني) بن سداح بن محيا (1333-1415)هـ

الامتداد التاريخي لآل محيّا:

وُلد الأمير تركي (الثاني) بن سداح بن سيف بن محيّا —أمير شمل قبائل طلحة— عام 1333هـ في بيئةٍ عريقة نُقشت ملامحها بالفروسية والشجاعة؛ حيث حمل اسم أخيه الشهيد «تركي» الذي استشهد عام 1323هـ في معارك الأسرة التاريخية نصرةً للملك عبد العزيز. وعلى الرغم من أنه فقد والده وهو في الثالثة من عمره، إلا أن أخاه الأمير فلاح بن سداح تكفل بتربيته ونشأته، فغرس فيه قيم القيادة والحكمة والبطولة التي توارثتها الأسرة جيلًا بعد جيل، ليتشرب منذ صباه فنون القتال وخبرة التعامل مع الخيول الأصيلة.
وتبرز الأهمية التاريخية الكبرى للأمير تركي في كونه الابن الخامس للأمير سداح بن محيّا، والوحيد الذي بقي له عقبٌ من بين جميع أمراء آل محيّا الذين سطروا ملاحم البطولة والتوحيد؛ فحين انقطعت ذرية بقية هؤلاء الأمراء الأبطال، ظل الأمير تركي هو المستودع الوحيد لهذا الإرث العظيم، والامتداد الباقي لنسلهم المبارك الذين بذلوا أرواحهم في سبيل بناء هذا الكيان العظيم وتوحيده.
وقد وثّق المؤرخ عبد الله الطويان مكانته الرفيعة في كتابه (رجال في الذاكرة) قائلاً: «ويعتبر ابن محيّا من أشهر رجالات عتيبة ويتمتع بالحكمة ورجاحة العقل وصواب الرأي الذي عرف عنه، كريماً صاحب مروءة يعرفه الداني والقاصي بها، أما أسرته فهم من خيار القوم»

النشأة والادوار القيادية للأمير تركي بن سداح:

تلقى الأمير تركي تعليمه الشرعي وحفظ القرآن الكريم على أيدي كبار العلماء في (ساجر)، ثم خرج مع أخيه فلاح وأبن عمه ناصر إلى (الحيد) عام 1343هـ بعد خلافهم مع الأخوان المتطرفين في ساجر وكان حينها في العاشرة من عمره، في مرحلة شهدت تشكل وعيه الأول وسط تحولات سياسية كبرى. وفي وقت مبكر جداً، برزت ملامح قيادته حين شارك تحت راية الملك عبدالعزيز في:
معركة السبلة (1347هـ): خاض غمارها وهو في الرابعة عشرة من عمره برفقة ابن عمه الأمير ناصر بن جرمان، حيث كانا يقودان "بيرق الحيد" في تجسيدٍ مبكر للمسؤولية والقيادة.
• جبهات الجنوب ¹ (1351هـ): قاد بيرق "الحيد" مشاركاً في حملة الأمير عبد العزيز بن مساعد للقضاء على الحركة الإدريسية، وضمن القوات التي وجهها الملك عبدالعزيز لتثبيت الأمن وإخماد الفتنة في جبهات نجران وجازان وتهامة؛ حيث برزت كفاءته القتالية وثباته الميداني في سنٍ مبكرة خلال تلك المعارك. ¹

المؤتمرات التاريخية:

حضر الأمير تركي المؤتمرات السياسية الكبرى بدعوة من الملك عبدالعزيز، ومنها:
• مؤتمر الشعراء 1348هـ ¹³، ¹⁴
• اجتماع الرياض الكبير 1358هـ

القيادة وإمارة الحواضر والأفواج العسكرية:  

تولى الأمير تركي زمام المسؤوليات بكفاءة وطنية مشهودة:
1. إمارة الحيد: تولى إمارة (الحيد) واستمر فيها حتى عام 1369هـ  ³
2. إمارة ساجر: تسلّم إمارتها عام 1369هـ خلفاً لابن عمه الأمير ناصر بن جرمان، وأسهم في تعزيز الاستقرار وتوطين القبائل تنفيذاً لرؤية القيادة. ⁴ وحظيت (ساجر) إبان إمارته بزيارة تاريخية ميمونة من جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز خلال رحلته التفقدية لأنحاء المملكة سنة 1378هـ  ¹⁰ واستمر أميراً لـ (ساجر) حتى عام 1382هـ  
3. إمارة الفوج السادس عشر بالحرس الوطني: في 1382/6/9 صدر الأمر الملكي الكريم من جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز بتعيينه أميراً لـ "الفوج السادس عشر" ¹¹، لتنتقل إمارة (ساجر) من بعده لابنه الأمير متعب بن تركي. ³

تنقلات الفوج وحماية الحدود (المدينة - جازان - حائل) :

بدأ الأمير تركي بن سداح بن محيا مهامه العسكرية في المدينة المنورة عام1382، وفي أواخر الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية)، ومع تصاعد أحداث حرب اليمن، حيث امتد الطموح الناصري ليشمل التوسع نحو الحدود السعودية. وفي ظل هذا التوتر، وبتكليفٍ مباشر من الملك فيصل، تحرك الأمير تركي بقواته في مهمة جسيمة للمرابطة بمنطقة (جازان) لحماية الحدود الجنوبية في مناطق جبلية وتهامية وعرة لقرابة السنتين.
تميزت قيادته في (جازان) بقدرة فائقة على مواءمة أساليب القتال التقليدية مع متطلبات الحرب الحديثة، حيث تولى حماية المواقع الاستراتيجية مانعاً محاولات التسلل تحت الإشراف المباشر للأمير محمد الأحمد السديري (أمير منطقة جازان والمشرف على القوات المرابطة آنذاك)، وهو ما أكسبه ثقة الملك فيصل والأمير عبدالله بن عبدالعزيز (رئيس الحرس الوطني آنذاك). وكانت علاقته بالأمير محمد السديري "خوة دم وميدان" صهرتها المخاطر، وهو ما خلّده السديري لاحقاً في قصيدته الوجدانية لـ "أبو متعب": ⁵
دور مضى لي يابو متعب ذكرناه ........ ذكر الحيا كل العرب يرتجونه  

[poem]

قلبي من الفرقا حيام ظماياه ........ وسط المحاني يابِساةٍ شنونه
مستصعب ما يظهر السد لعداه ........ وعلى صديقه ما يخفي شطونه
بعض الملا يجرحك بعده وفرقاه ........ جزع اليا حال اشهب السعد دونه
وبعض الملا يوذيك شوفة محياه ........ مثل الدهر نزالته يتركونه
مذكور حي مانوى القلب ينساه ........ عليه قلبي كاثراتٍ غبونه
منى سلام كل ما حل طرياه ........ ودوه ياللي عقبنا تاصلونه
ملزوم خطي "معجب" القرم يقراه ........ حتى هل الحردا تميز زبونه
تركي ولد سداح خطي تنصاه ........ من لابةٍ خصيمهم يزعلونه
احمول خيلٍ إن وصل العِلْمْ لأقصاه ........ وكم عايلٍ بارماحهم يجدعونه
بيوتهم على المراجل مبناه ........ وبيت الكرم بالشحم تندى صحونه
أحبهم والحكي مابه مواراه ........ واللي خفى بالقلب هم يفهمونه

حيام: العطش الشديد

المحاني: ضلوع الصدر

شنونه: القِرب الجلدية القديمة التي تيبست من طول الهجر وقلة الماء (كناية عن جفاف القلب)

السد: السر المكنون

شطونه: همومه وأحزانه

أشهب السعد: سوء الحظ أو الأيام الصعبة

نزالته: جيرانه

غبونه: القهر والضيق الشديد

مواراه: إخفاء

[/poem]

وعقب انتهاء مهمة حماية الحدود عاد الأمير تركي بالفوج إلى مقر استقراره في المدينة المنورة وبقي فيها لقرابة خمس سنوات. وعندما عُين صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالرحمن آل سعود أميراً لمنطقة (حائل)، انتقل الفوج السادس عشر من (المدينة المنورة) إلى (حائل) سنة 1392هـ (1972م) بناءً على طلب سمو أميرها الأمير فهد بن سعد. ¹¹، ¹²

شاهد النهضة وتأسيس الشورى (1412هـ):

واكب الأمير تركي التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد؛ ففي عام 1412هـ (1992م)، حظي بدعوة رسمية من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز لحضور مراسم تدشين مجلس الشورى بنظامه الجديد، في موقفٍ عكس تقدير القيادة العميق لرموز الدولة. هناك، التقت عراقة الماضي بتطلعات المستقبل؛ حيث وقف الرجل الذي شارك في معركة السبلة وهو ابن 14 عاماً، بين يدي الملك فهد وهو يؤسس لمرحلة العمل المؤسسي، مجسداً استمرارية الدولة في الحفاظ على أصالتها مع مواكبة متطلبات العصر.

الوفاة وميثاق "لغة الملوك" الخالد:

انتقل الأمير تركي بن سداح إلى رحمة الله في الخامس عشر من صفر لعام 1415هـ (الموافق 23 يوليو 1994م)، ووُوري جثمانه الثرى في مدينة (ساجر). وقد بث التلفزيون السعودي (القناة الأولى) ⁷ آنذاك نبأ استقبال الملك فهد لأبنائه، ناعياً فيه واحداً من رجالات الدولة الأفذاذ الذين عاصروا ملوك البلاد منذ عهد التأسيس. ⁹
وفي ذلك الاستقبال التاريخي، تفضل الملك فهد بكلماتٍ خُلدت كـ 'ميثاق وفاء' تجسد شيم الملوك وأبهى صور تقديرهم لرجالهم:
"رحم الله والدكم، كان لا يأتي إلا للسلام أو لحل مشكلة.. وأنتم يالمحيا: الولد ولدنا، والبنت بنتنا"
لقد لخصت هذه الكلمات المكانة العالية للفقيد، وأكدت بوضوح أن لآل محيّا منزلةً خاصةً ورفيعة لدى القيادة؛ فهي تعبر عن تقديرٍ ملكيٍّ واعتزازٍ وتكريم، يعكس بجلاء تاريخ هذه الأسرة العريق ومكانتها المتجذرة لدى الأسرة الحاكمة.

استمرار المسيرة:

تولى من بعده ابنه الأمير عفاس بن تركي بن محيّا إمارة الفوج السادس عشر بالحرس الوطني، ليحمل الراية مواصلاً مسيرة والده في الولاء المطلق والخدمة المتفانية للدين ثم المليك والوطن.

المصادر:

¹ آل زلفة، محمد بن عبدالله: حملة الأمير عبد العزيز بن مساعد للقضاء على الحركة الإدريسية في منطقة جازان، ج2 ص208

‍² العثيمين، عبدالله الصالح: تاريخ المملكة العربية السعودية

‍³ الطويان، عبدالله بن زايد: الحاوي لأشهر الألقاب والعزاوي (2001م)

⁴ الطويان، عبدالله بن زايد: رجال في الذاكرة، ج 1، ص 41

⁵ السديري، محمد بن أحمد بن محمد: ديوان محمد بن أحمد السديري، جدة: شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، ج٢، ط 1416هـ، ص 90

⁶ جريدة الرياض العدد 8997 ص 39 في 1413/8/19 هجري.

⁶ أرشيف التلفزيون السعودي - القناة الأولى.

⁷ جريدة أم القرى، العدد 767، الجمعة 10 رجب 1358هـ.

⁸ جريدة عكاظ وجريدة الرياض، تاريخ الثلاثاء 25 صفر 1415 هـ الموافق 2 أغسطس 1994م.

⁹ جريدة أم القرى، العدد 1749بتاريخ 14جمادى الثانية 1378هـ.

¹⁰ وثائق وسجلات الحرس الوطني والفوج السادس عشر.

¹¹ الأمير فهد بن سعد بن عبدالرحمن آل سعود (1332 هـ - 1392 هـ): نشأ في رعاية عمه الملك عبدالعزيز بعد استشهاد والده في معركة كنزان. شارك في معركتي السبلة وحرب اليمن، وتولى إمارتي عسير وحائل، وصنّف فيه المؤرخ فهد المارك كتاباً بعنوان «فهد بن سعد ومعرفة ثلاثين عاماً».

¹² الزامل، عبدالله بن محمد: أصدق البنود في تاريخ عبد العزيز آل سعود، ص 135

¹³ العيسى، عبدالعزيز محمد فهد: أرشيف مملكة نجد والحجاز وملحقاتها، ص 240