الميلاد والنشأة
ولد الأمير ناصر بن جرمان بن براز بن محيا في عالية نجد عام 1319هـ. وفي سن مبكرة استشهد والده جرمان في إحدى المعارك التاريخية ضد ابن رشيد، حيث سقط شهيداً في الميدان إلى جانب ابن عمه الأمير تركي (الأول) بن سداح بن محيا.
• التربية والفروسية: بعد وفاة والده، انتقلت مسؤولية تربيته إلى ابن عمه الأمير فيحان بن ناصر بن محيا، الذي احتضنه ورعاه رعاية الأب لولده. وكان لفيحان الأثر الأكبر في تكوين شخصية ناصر؛ حيث نشأ في كنفه على قيم الفروسية والشجاعة بين فرسان قبيلة الحناتيش. كما رافق ابن عمه فيحان في رحلاته ومهماته السياسية المبكرة، ومنها:
• حضور مجالس الشريف الحسين بن علي.
• المشاركة في أحداث الثورة العربية عام 1334هـ.
هذه التجارب المبكرة أكسبته خبرة ودراية واسعة بشؤون السياسة والقبائل منذ حداثة سنه.
• الجانب العلمي والشرعي: وعلى الجانب العلمي، لم تقتصر نشأته على الفروسية فحسب، بل درس القرآن الكريم والفقه على أيدي العلماء الذين كلفهم الملك عبدالعزيز بتفقيه أهل ساجر، مما رسخ لديه تديناً عميقاً ومنهجاً قويماً بعيداً عن الغلو، وهو ما انعكس لاحقاً على حنكة إدارته لـ "ساجر" و"الحيد".
الموقف من "الإخوان" والخروج من ساجر:
"مع جنوح حركة الإخوان نحو التشدد، اتخذ الأمير ناصر بن جرمان مع أبناء عمومته موقفاً تاريخياً حازماً؛ فاختاروا الخروج من ساجر حقناً للدماء ⁹ وتأكيداً على الولاء للملك عبدالعزيز، حيث نزلوا بـ "الحيد" عام 1343هـ، وفي تلك الأثناء، توجه الأمير فلاح بن سداح إلى الملك عبدالعزيز وطلب منه "الحيد" معلناً ثباته وجماعته على العهد والولاء، فصدر الأمر الملكي الكريم بإقراره أميرأ للحيد وقد أمر الملك عبد العزيز ببناء جامع الحيد في نفس عام التأسيس 1343 هـ"حسب وثيقة دارة الملك عبد العزيز" ¹⁰
وقد وثق هذه الحادثة الشيخ سليمان بن سحمان في تاريخ نجد حيث ذكر "قرية الحيد وأهلها من الروقه من الحناتيش وأميرهم فلاح بن محيّا" ¹
وفي فترة الأربع سنوات التي قضاها المحيا في الحيد بين عامي 1343هـ و 1347هـ، توفي الأمير فلاح بن سداح قبيل معركة السبلة؛ ولعل عدم حضور المحيا اجتماع الجمعية العمومية في نجد في 22 جمادى الأولى سنة 1347هـ قبل موقعة السبلة كان بسبب وفاة الأمير فلاح بن سداح بن محيا. ورغم هذا الفقد الأليم، استمر الأمير ناصر في نهجه الذي أثبتت الأيام حنكته؛ فلم يكن خروجه الأول من ساجر إلا تمهيداً لعودةٍ ظافرة بعد معركة السبلة (1347هـ)، حين تقدم بالشفاعة لساجر لدى المؤسس، فاستثناها الملك من الهدم مكافأةً له ولأبناء عمومته على ثبات موقفهم.
الدور التاريخي في حماية "ساجر" وإمارتها
بعد انتصار الملك عبدالعزيز على جماعة الإخوان في "معركة السبلة المفصلية"، صدرت الأوامر الملكية بهدم الهجر التي كانت معاقل للتمرد لضمان اجتثاث الفتنة، وكانت "ساجر" من بين تلك الهجر المستهدفة بالهدم. وهنا تجلت مكانة الأمير ناصر بن جرمان عند المؤسس وثقة القيادة برأيه؛ فتقدم بالشفاعة لساجر بكلماتٍ بليغة سجلها التاريخ، حيث قال:
"يا طويل العمر، ساجر ديرتنا اللي تأسست بتوجيهك، فيها أهلنا ومنها طلعت جيوشك.. وأنا داخلٍ على الله ثم عليك، وطالبك يا طويل العمر إنك تعفو عن أهلها."
فاستجابةً لشفاعته، أصدر الملك عبدالعزيز أمره الكريم باستثناء "ساجر" من الهدم. ولم يتوقف عطاء الأمير ناصر ومواقفه الإنسانية عند حدود حماية البلدة فحسب، بل امتدت ليشمل بكريم شفاعته أفراداً معينين من جماعته وأبناء عمومته ممن شاركوا مع الإخوان ضد الملك في معركة السبلة، فطلب العفو عنهم وتأمينهم، فقبل الملك شفاعته فيهم وأعادهم مكرمين إلى صفوف الدولة.
وتقديراً لمكانته ولضمان استقرار البلدة وسلامة نهج أهلها، وافق الملك عبدالعزيز على أن يتولى الأمير ناصر إمارتها، فعاد إليها أميراً ومنقذاً في عام 1347هـ، وظل في منصبه حتى وفاته.
الأدوار القيادية للأمير ناصر بن جرمان
شارك الأمير ناصر مجاهداً في معظم معارك توحيد المملكة، وتنوعت أدواره القيادية كما يلي:
• المعارك الأولى: شارك في محاولة فتح حائل الأولى عام 1338هـ مع ابن عمه فيحان بن ناصر وتحت قيادة الملك سعود (الأمير آنذاك).
• معركة السبلة (1347هـ): شارك قائداً لبيرق "أهل الحيد" تحت راية الملك عبدالعزيز.
• معركة الدبدبة(1348هـ) : قاد بيرق "أهل ساجر" في معركة الدبدبة للقضاء على فلول الإخوان. ⁴
• جبهات الجنوب (1351هـ) : قاد بيرق "أهل ساجر" في معارك "نجران وجازان وتهامة" ¹، ²
الحضور السياسي والسمات الشخصية
حضر الأمير ناصر مؤتمرات تاريخية مفصلية:
• مؤتمر الشعراء (1348هـ) ³، ⁷
• اجتماع الرياض الكبير (1358هـ) ⁸
واشتهر رحمه الله بلقب "مدفع عتيبة"، وقد ذُكر في التقارير البريطانية عام 1346هـ بصفته "رئيس طلحة" ⁵ عُرف بالقوة والصرامة في الحق، وكان متديناً متمسكاً بمنهج الاعتدال، يجمع بين فصاحة اللسان وسخاء اليد.
وفاته:
وفي آخر أيامه، وتتويجاً لمسيرته الحافلة، طلب الأمير ناصر من الملك عبدالعزيز تثبيت حدود ساجر وحصل منه على وثيقة رسمية توضح حدود ملكية المحيا وجماعتهم لإقليم ساجر، وهي وثيقة ما زالت محفوظة في أرشيف العائلة ¹³؛ واستناداً إليها تم لاحقاً توزيع الأراضي الزراعية على أهالي ساجر، وهو الدور الذي قام الأمير تركي بن سداج والأمير متعب بن تركي.
توفي الأمير ناصر بن جرمان بن محيا عام 1369هـ إثر صراع طويل مع المرض؛ وقد رُزق بأبناء توفوا في صغرهم، ولم يُبقِ من ذريته سوى ثلاث بنات، رحمه الله وغفر له وجعل ما قدمه في موازين أعماله.
المصادر:
¹ محمود شكري الآلوسي: تاريخ نجد(مع ملحق الشيخ سليمان بن سحمان)ص 131.
² آل زلفة، محمد بن عبدالله: حملة الأمير عبد العزيز بن مساعد للقضاء على الحركة الادريسية في منطقة جازان،ج2 ص 208
³ الزامل، عبدالله بن محمد: أصدق البنود في تاريخ عبد العزيز آل سعود، ص 135.
⁴ ياسين، يوسف: يوميات الدبدبة، ص 125.
⁵ Gazetteer of Arabian Tribes المعجم الجغرافي البريطاني للقبائل العربية.
⁶ أوبنهايم، ماكس: البدو (ترجمة ماجد شبر)، ج 3، ص 140.
⁷ العيسى، عبد العزيز محمد فهد أرشيف مملكة نجد والحجاز وملحقاتها ص240
⁸ جريدة أم القرى، العدد 767، الجمعة 10 رجب 1358هـ
⁹ الناهض، منيرة: The standardization of Bedouin community in Saudi Arabia. PhD research, Leeds university June 1989, p. 171.
¹⁰ وثيقة دارة الملك عبد العزيز بتأسيس هجرة الحيد لأسرة المحيا عام 1343 وأمر الملك عبد العزيز ببناء جامع الحيد في نفس العام. رقم 94/337
¹¹ من نابلس الى الرياض، رشدي ملحس ص366
¹² أرشيف مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها من 1347 الى 1351 هـ ج2، عبد العزيز محمد العيسى ص240
¹³ مكتبة الأمير متعب بن تركي بن سداح