الأمير متعب بن تركي بن محيا  (1360-1419)هـ

الميلاد والنشأة

وُلد الأمير متعب بن تركي بن محيا في 'الحيد' عام 1360هـ، وانتقل إلى 'ساجر' مع والده عام 1369هـ حين عُين والده أميراً عليها. وفي ساجر، بدأت ملامح شخصيته تتشكل بين جنبات حلقات العلم؛ حيث نهل من دراسة القرآن الكريم وعلومه وتلقى أصول العلوم الشرعية على أيدي كبار المشايخ، مستمداً من العلم الأولي ركيزةً متينة في بيئةٍ مفعمة بالأصالة. ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل تحصيله العلمي النظامي، وصقل ملكاته الإدارية بالالتحاق بمعهد الإدارة العامة، ليحصل على دبلوم عالٍ في الإدارة عام 1390هـ.

توليه الإمارة ومسيرته القيادية

تسلم مقاليد إمارة ساجر عام 1383هـ وهو في الثالثة والعشرين من عمره، ليبدأ مسيرة قيادية امتدت لستة وثلاثين عاماً. لم تكن الإمارة بالنسبة له مجرد منصب، بل كانت "وجاهة في خدمة المجتمع"؛ حيث عُرف بقدرته الفائقة على إصلاح ذات البين واستخدام حكمته وفطنته في لمّ الشمل وتعزيز اللحمة الوطنية، مرتكزاً على سجلٍ حافل بالكرم والإخلاص والولاء.

النهضة التنموية

جسّد الأمير متعب أرقى صور المسؤولية حين استخدم جاهه ومكانته عند ولاة الأمر لتحويل ساجر من قرية صغيرة إلى مدينة زراعية متكاملة الخدمات. ولم يكن يكتفي بالمطالبة بالخدمات، بل كان يقدم لولاة الأمر وأصحاب القرار الإحصاءات السكانية الدقيقة والأدلة التي تثبت الحاجة الماسة للمشاريع، مما جعل مطالبه تحظى بالثقة والقبول السريع:

النهضة الزراعية وتمليك الأراضي: بادر بتوزيع مساحات شاسعة من "إقطاع ابن محيا" (الممنوح من الملك عبدالعزيز) على أفراد المجتمع لتأسيس مزارعهم الخاصة، محولاً المجتمع من نمط الرعي إلى الاستقرار والتمدن. وعزز ذلك بجهود "الدعم المؤسسي" حيث سعى لاستقطاب فرع للبنك الزراعي عام 1395هـ لتوفير القروض وتذليل الصعوبات أمام المزارعين.
توطين البادية بالخدمات: كانت رؤيته تهدف إلى جذب المواطنين القاطنين في البادية للسكن في المدينة عبر توفير "المغريات الحضرية" فاستخدم مكانته لتوفير المرافق التي تضمن استقرارهم، مثل المدارس والخدمات الصحية، ليكون الاستقرار وسيلة لتعليم أبنائهم وبناتهم والارتقاء بجودة حياتهم.
اكتمال المنظومة الحكومية: نجح من خلال تواصله المباشر مع المسؤولين في وضع حجر الأساس لنهضة تعليمية شملت كافة المراحل، وصولاً إلى اعتماد الكلية الجامعية للبنات وافتتاح المستشفى العام، لتصبح ساجر مدينة مكتملة الخدمات تحفز على الاستقرار الدائم.

الوعي الأمني والموقف الوطني

بذات الحكمة وبُعد النظر، استخدم الأمير متعب مكانته في حماية أمن الوطن، حيث كان سبّاقاً في رصد تحركات "الجماعة السلفية المحتسبة" والرفع للقيادة بتقارير تحذيرية قبل أحداث عام 1400هـ. وتُعد رسالته الشهيرة للملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- والمحفوظة في معرض الملك خالد، شاهداً تاريخياً على ولائه الصادق وحرصه على سلامة المجتمع.

الوفاة والإرث

انتقل الأمير متعب بن تركي إلى رحمة الله في عام 1419هـ، بعد مسيرة حافلة نجح خلالها في تحويل ساجر إلى حاضرة زراعية وتنموية بفضل صدق مساعيه وحسن استثماره لمكانته وجاهه في نفع الناس؛ ليحمل الأمانة من بعده ابنه الأمير نايف بن متعب بن محيا رئيساً لمركز ساجر، سائراً على نهج والده في خدمة المجتمع وتطوير الحاضرة، ومواصلاً مسيرة أسرته في الولاء الراسخ والارتباط الوثيق بالقيادة، لتبقى ساجر -بجهود أبنائها- شاهداً حياً على استمرارية العطاء والوفاء.