الأمير متروك بن سداح بن محيا (1289-1323)هـ

مآثر الفروسية في فجر التأسيس

يُعد الأمير متروك بن سداح بن محيا ركناً من أركان الفروسية في قبيلة عتيبة، وأحد الرموز التي صاغت بحد السيف فصلاً من فصول العز والولاء، حيث كان عضيداً وفياً لأخيه الأمير تركي بن سداح، وقد سجل له التاريخ حضوراً لافتاً كقوة ضاربة ساندت الملك عبدالعزيز في أصعب مراحل التأسيس وأحلك الظروف السياسية والعسكرية؛ فلم يكن متروك مجرد فارس عابر، بل كان مقاتلاً يحمل رؤية الوفاء للدولة السعودية الثالثة، مسطراً بدمه ملحمة تاريخية في معارك التوحيد، وعلى عادة الكرام الذين يختارون الموت وقوفاً، لم يمهله القدر طويلاً؛ فقد اختطفته المنية وهو في ريعان شبابه ليلحق بركب إخوته الذين قضوا نحبهم في ميادين الشرف والبطولة، وكأن بيت "آل محيا" قد نذروا أنفسهم وحياتهم قرابين في سبيل العز والمنعة، تاركين وراءهم سيرةً تفوح بذكر الفرسان الذين لم تغب شمسهم إلا بعد أن أضاءت بمواقفهم دروب التاريخ.

ضريبة الولاء: الاستهداف والصمود في "نفي"

بعد مشاركته الفاعلة في معارك القصيم الكبرى (فيضة السر، البكيرية، والشنانة)، برز دور الأمير متروك في مواجهة غارات ابن رشيد الانتقامية التي استهدفت "آل محيا" لولائهم للمؤسس؛ حيث استبسل بجانب أخيه تركي في حماية ديارهم بالقرب من «نفي»، وأحبطوا محاولات كسر شوكة القبيلة، مما أجبر القوات المهاجمة على التراجع.

موقعة البصر: استشهادٌ في ميادين الشرف (1323هـ)

لم يتوقف الاستهداف؛ ففي منطقة «البصر» بالقصيم، باغت جيش ابن رشيد الأمير متروك ورفاقه في هجوم صباحي عنيف، دارت إثره رحى معركة ضارية أبدى فيها الفرسان استماتة نادرة في الدفاع عن حماهم. ونجحوا في صد العدوان وحماية إبلهم، إلا أن هذه الملحمة كانت الفصل الأخير في حياة الأمير متروك، حيث استُشهد في ساحة الوغى مقبلاً غير مدبر، ليروي بدمه ثرى القصيم في واحد من أسمى مواقف البطولة والفداء.

الأمير متروك في ذاكرة الشعر

خلد الشاعر الفارس فراج التويجر الدماسي هذه البطولات بالأبيات التالية:
حمى لهم متروك خشم السنافي ........ حتى تبين دربهم لين يمشون

[poem]

ليا وقفوا بقصيرات النصافي ........ ليا كفى الله، هم عن الناس يكفون

  • حمى لهم: قام بحماية القوم والدفاع عنهم وتأمين مسيرهم وسلامتهم من هجوم الأعداء.
  • متروك: هو الأمير متروك بن سدّاح بن محيا، ويشير البيت إلى فعله البطولي وتضحيته لتأمين خروج قومه بسلام.
  • خشم السنافي: (الخشم) هو طرف الجبل البارز، و(السنافي) جبل في منطقة عالية نجد، وتحديداً في جهة الشعراء (شمال غرب الدوادمي)؛ والمقصود أنه اتخذ منه موقعاً استراتيجيًا للصد والدفاع.
  • حتى تبين دربهم: أي اتضح الطريق وصار آمناً تماماً لخروج القوم بسلام من منطقة الخطر.
  • قصيرات النصافي: وصف لـ "البنادق" التي يُثبّت بها الرجال مواقعهم ويواجهون بها الخصوم في ميادين القتال الفاصلة.
  • ليا كفى الله: أي عندما يسلمهم الله ويدفع عنهم السوء بفضل ثباتهم وشجاعتهم في الميدان.
  • هم عن الناس يكفون: أي أنهم مصدر الكفاية والمنعة؛ فهم السد المنيع الذي يغني قومهم عن الاستعانة بغيرهم، وهم الذخر والسند الذي يُعتمد عليه في كل شدة.
  • [/poem]

    المراجع:

    • آل زلفة، محمد بن عبدالله: التجهيزات العسكرية والاقتصادية أثناء ضم منطقة القصيم، ص 61-87. ذكر أسماء المشاركين
    • آل عبيد، محمد العلي: النجم اللامع للنوادر جامع (مخطوط)، ص168-163.
    • كتاب "معارك الملك عبدالعزيز المشهورة" لعبدالله الصالح العثيمين، ص91
    • مقبل الذكير، العقود الدرية في تاريخ البلاد النجدية ص 392
    • المشوح، مشوح بن عبدالرحمن بن سعد: حكايات من الماضي، ص 138.
    • تسجيل صوتي : الامير سلمان بن محمد ، دراة الملك عبد العزي