
الرأي السديد والأثر الخالد:
تُعد سيرة الأمير فيحان بن ناصر بن محيا فصلاً مضيئاً في تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية، حيث جمع بين الفروسية الميدانية والحنكة السياسية، مما جعله محط ثقة القيادة ومرجعاً في الرأي والمشورة. لم يكن دوره مقتصرًا على قيادة المعارك، بل كان رجل المرحلة الذي استطاع بحكمته تجاوز التحديات السياسية الكبرى وتوطيد أركان الاستقرار لقبيلته تحت لواء الدولة السعودية.
مرحلة الاحتجاج والرحيل (1330هـ - 1336هـ):
بعد مقتل الأمير عفاس في "أبو دخن" عام 1330هـ، سادت حالة من الجفاء العميق بين آل محيا والملك عبدالعزيز. في هذه الفترة، اختار الأمير فيحان بن ناصر التوجه بفرسانه نحو الحجاز، منضمًا لصفوف الشريف حسين وقد استند هذا الانتقال إلى المكانة الرفيعة والتقدير الاستثنائي الذي كان يحظى به الأمير عفاس بن محيا خاصة، وأسرة آل محيا عامة وقد كانت هذه الرحلة بمثابة "هجرة سياسية" احتجاجاً على مقتل عفاس، واستثماراً للحظوة والمكانة التي يتمتع بها آل محيا عند قطب الحجاز.
مرحلة الثورة العربية 1334هـ:
مع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1334هـ، كان الأمير فيحان في ذروة نفوذه في الحجاز، حيث قاد قوات الروقة المشاركة هناك. وفي هذه المرحلة، رصده المؤرخ البريطاني هوجارث ووثق مشيخته ووصف فيحان بن محيا؛ شيخ الروقة الأكثر نفوذاً.
مرحلة العودة والوفاء 1336هـ:
أدرك الملك عبدالعزيز ببعد نظره أن استقرار نجد ووحدة قبيلة عتيبة لا تكتمل دون استعادة 'آل محيا' إلى صفوفه، فبدأت مراسلات الصلح والتقدير، وكان إقطاع 'ساجر' للأمير فيحان بن ناصر لإنهاء سنوات الجفاء. وقد سعى الملك بهذا الإقطاع إلى تقدير تضحيات الأسرة وجبر مصابهم في عفاس، واستعادة هذا البيت العريق ليكون جزءاً أصيلاً في مسيرة التأسيس.
المهام القيادية في رفقة المؤسس والملك سعود 1337هـ
معركة تربة (1337هـ): شارك ببيرق "أهل ساجر" ضمن القوات التي وصلت لمساندة الإخوان وتثبيت النصر بعد هزيمة جيش الشريف، وكان في رفقة الملك عبدالعزيز في تلك الحملة التاريخية.
حملة تأمين الحجاز (شوال 1337هـ): كلفه الملك عبدالعزيز بالخروج مع الأمير سعود (الملك سعود لاحقاً) في حملة لإخضاع القبائل التي كانت لا تزال موالية للشريف، وكان بيرق ساجر أحد البيارق الرئيسية في هذه المهمة.
سمات القيادة والثقل الاستراتيجي في ساجر
تجلت رجاحة عقل الأمير فيحان وحنكته العسكرية في مشورته الشهيرة للملك عبدالعزيز إبان التجهيز للزحف نحو حائل عام 1338هـ؛ حيث قدم رؤية استراتيجية تقضي بتأجيل زحف الجيش الرئيسي إلى فصل الشتاء لضمان كفاءة الإمدادات وقدرة الخيل والإبل على التحمل، مع مقترحٍ بتحرك جيش بقيادة أحد أبناء الملك تعزيزاً لهيبة القيادة ورفعاً لمعنويات المقاتلين. نال هذا الرأي السديد إعجاب المؤسس، فأمره بالمشاركة الميدانية مع الأمير سعود (الملك سعود لاحقاً) لتنفيذ المخطط؛ حيث عسكرت القوات في "ساجر" التي كانت تمثل مركز انطلاق وثقلاً استراتيجياً للدولة الناشئة، ومنها واصلوا السير نحو الهدف لتحقيق النصر المؤزر في وقعة "ضبعة" (1338هـ) التي مهدت الطريق للفتوحات اللاحقة.
وفاته وتخليد ذكراه
حين اشتد المرض بالأمير فيحان، وجّه الملك عبدالعزيز بإرساله إلى البحرين لتلقي العلاج تقديراً لمكانته. وبعد رحلة العلاج، قرر الأمير العودة إلى دياره، وفي طريق عودته نزل ضيفاً على الأمير هايف بن بداح الفغم، حيث استُقبل بكل حفاوة وتقدير لما بينهما من أواصر المحبة.
ولكن المرض عاود الأمير واشتد به، فانتقل إلى رحمة الله في منتصف عام 1339هـ بالقرب من هجرة "قرية"، ودُفن بجوار جبل صغير لا يزال يُعرف حتى يومنا هذا باسم "أبرق بن محيا"، ليبقى معلماً يخلد ذكرى أمير وفارس أفنى حياته في خدمة دينه ووطنه.
المراجع:
- هوجارث، ديفيد جورج: الحجاز قبل الحرب العالمية الأولى (Hejaz Before World War I)، ص 41.
- موسوعة مقاتل من الصحراء الإلكترونية، القسم الخاص بتفاصيل مغازي الملك سعود بن عبد العزيز.
- ارمسترونق، هـ. س: سيد الجزيرة العربية (ترجمة يوسف نور عوض)، ص 153.
- العثيمين، عبدالله الصالح: تاريخ المملكة العربية السعودية (الجزء الثاني)، ص 167-172.